الشيخ محمد الصادقي الطهراني
305
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
« ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً ان يكَبروا » . صحيح أن أصل الأكل من أموال اليتامى محظور ، ولكن الأكل منها إسرافاً وبداراً ان يكبروا أشد محظوراً ، واتجاه النهي اليه بعد طليق النهي دليل أن البعض كانوا يستغلون أيام يتمهم إسرافاً في أكل أموالهم وبداراً وتسرُّعاً مخافةَ عن أن يكبَروا فلا يستطيعوا أكلًا لكبرهم ، فما النهي هنا إلَّا كما « لا تأكلوا الربا اضعافاً مضاعفة » . ثم « يكبَروا » هنا - فتحاً - دليل صارم على إشتراط كبر السن إضافة إلى الرشد كما تقدم ، ف « كبَر يكبَر » يخص كبرَ العمر ، خلاف سائر صيغها التي تعم العمر إلى سائر الرشد أم تخص الرشد مثل يَكبرُ بالضم ، فهو نص في اشتراط بلوغ النكاح ، و « رشداً » نص في ثاني الشرطين الشامل للشدين الآخرين ، ولكن « يكبَروا » بعد « إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً » يعم الشرطين ، مهما كان الأصل اللغوي يؤصِّل الأول ، فهما شرطان مهما اختلفا مكانة . وهنا مناهي ثلاثة تلوَ بعض تصاعدياً في الحظر عن أموال اليتامى ، أولاها : « إسرافاً » زيادة عن الحق المقرر ، وقد كانوا يسرفون في أكل أموالهم حتى نزلت « ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً » ثم « وبداراً أن يكبَروا » تنهى عن مبادرة الأكل إسرافاً في مادته أم إسرافاً في مدته أن يؤجل إبتلاءهم ليأكل في زمن أكثر مما يحتاجه عادل الابتلاء ومعدَّ له ، كما ويأكل أكثر من الحق مهما قل الزمان أو كثر . فقد يأكل إسرافاً في مادته دون بدار ، وأخرى يأكل بداراً دون إسراف في مادته ، إسرافاً في مدته ، أو يأكل إسرافاً فيهما وهو أنحسه . ذلك ، وكما من الإسراف أن يصرف وقتاً من اللازم لإصلاح شؤون اليتيم فليأخذ أجرةً أكثر ، أم يأكل فوق ما يتحمل مال اليتيم ، أو يطعم معه عياله ، أماذا من أكل هو إسراف بحق اليتيم وبامكانه ألّا يأكل أو يقلل منه . ومرحلة ثالثة هي حظر الغني عن أكل مال اليتيم على أية حال إسرافاً وغير إسراف ، بداراً وغير بدار ، والسماح للفقير أن يأكل بالمعروف الذي يُعرف من أمثال « ولا تقربوا مال اليتيم إلّا بالتي هي أحسن » فكما الأحسن الواجب للغني ألّا يأكل من مال اليتيم شيئاً ، كذلك الفقير ألّا يأكل إلّا قدر الضرورة كما يتحمل مال اليتيم ، ومن الأحسن أن ينوى رد ما